الرئيسية / ادبيات / الشارع بوصفه مزاج المدينة.

الشارع بوصفه مزاج المدينة.

مبارك بن خميس الحمداني

هل تأملنا يوماً حركة السير في الشوارع وحاولنا فهم لماذا يختلف سلوك الأفراد في أماكن الزحام في بعض المدن عن غيرها من المدن؟

مثال على ذلك: لماذا تتعالى أصوات أبواق السيارات عند إشارات المرور في مدن بعينها, ولا نكاد نسمع هذه الأصوات في مدن أخرى؟

لماذا يلتزم الأفراد بقواعد المرور في بعض المدن, ويخالفونها في مدن أخرى رغم أنها قد تكون نفس القواعد والضوابط وتترتب عليها نفس المخالفات.

في الواقع فإن حركة السير في الشوارع, والسلوك المروري للأفراد داخل الشوارع العامة يعكس مزاج الأفراد في المدينة. وعليه يمكننا القول أن الشوارع تعكس مزاج المجتمع سوسيولوجياً.

في زيارة لإحدى الدول العربية حينما حططنا الرحال في عاصمتها كنت أتعجب من حجم الفوضى التي تعم شوارعها رغم أن البنية التحتية للشوارع جيدة ومؤهلة. كنت أتعجب من تعالي أبواق السيارات بشكل فج عند إشارات المرور, ومن ضجر السائقين من تصرفات بعضهم في مداخل ومخارج الطرق لدرجة أنك تكاد تسمع الشتائم والسباب إن أخطأت في مسلك معين أمام أحدهم.

وبينما انتقلنا إلى مدينة أخرى في هذه الدولة تقع مطلة على البحر في جنوبها. ورغم الإزدحام الهائل في تلك المدينة والطبيعية السياحية التي تجذب أعداداً هائلة من الزوار لها وإزدحام طرقها. إلا أن حركة الناس في شوارعها تجري بسلاسة والتعامل مع الزحام كان بمزاج متزن, ولا تكاد تسمع أبواق السيارات كثيراً في الطرقات. ولا الانعطافات الجنونية عند المداخل والمخارج.

وقفت أتأمل حال المدينتين ووجدت أن الشارع في كل مدينة منهما يعكس مزاج المجتمع. في المدن التي يعيش أفرادها حالة من (الرفاهيةالأمان النفسيقلة الضغوطات الاجتماعيةتقلص الالتزامات الاجتماعيةمستوى الخدمات الجيد) تصبح فيها حركة السير سلسلة وتلقائية ويصبح مزاج المدينة متزناً وراقياً كما يعكسه السلوك المروري لأفرادها في الشوارع.

أما بعض المدن ستجدها تضج بـ (أبواق السياراتباللامبالاة للأفراد عند مداخل ومخارج الطرق.- بكثرة الأبواق عند الإشارات المروريةبسرعة انفعال الشخص في حالة وقوع خطأ مروري من مركبة أمامه أو بجانبه…) هذه الحالة تعكس مزاج مدينة يعيش أفرادها تحت وطأة ضغوطات اجتماعية والتزامات متنامية تنعكس على سلوكهم المروري وتشكل حالة فوضى في شوارعها..

يقال دائماً أن التعامل مع الطريق (ثقافة) والطريق هنا بمفهومه الواسع بمختلف الأفعال والأحداث والتصرفات التي تحدث فيه. لكن هذه الثقافة ليست وليدة الوعي المروري نفسه. وإنما تتأثر بالعوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد في المجتمع والضغوطات التي يعيشون تحتها.

من شوارع المدن نستطيع أن نقرأ الوضع الاجتماعي لساكينها. ومن تصرفات الأفراد في طرقاتها نستطيع أن نتبين أوضاعهم النفسية. فليست وحدها قوانين المرور كفيلة بإلزام الأفراد على اتباعها والتقيد فيها. فكم من مدينة عربية تشدد فيها قوانين المرور في مقابل تنامي انتهاكات الأفراد لقواعد السلوك المروري ومحدداته وقوانينه. وهذا يعكس لنا أهمية العوامل الدخيلة الاجتماعية منها والنفسية التي تدفع بقائدي المركبات لانتهاك هذه القواعد والإخلال بها.

تأملوا جيداً في شوارع المدن. تختصر عليكم اكتشاف مزاجها ومزاج ساكينها.

شاهد أيضاً

مجلس شعراء صحار : ألق وتوهج 

‎مجلس شعراء صحار: ألق وتوهج  !‬   ‎بقلم : يعقوب بن راشد الحامدي  ‎لم يكن ...