الرئيسية / ادبيات / صناعة المحتوى الإلكتروني : قراءة اجتماعية

صناعة المحتوى الإلكتروني : قراءة اجتماعية

..‏صناعة المحتوى الإلكتروني: قراءة اجتماعية

مبارك بن خميس الحمداني
يقدم الفريق الرائد (والله نستاهل) خلال هذه الأيام ملتقى نوعي ومهم في سياق قضية شغلت الشأن العربي عموماً على المستوى الإعلامي وعلى المستوى العلمي. وهي قضية صناعة المحتوى أو إثراء المحتوى أو زيادة المحتوى العربي على الإنترنت. وقد يكون ملتقى اليوتيوب العماني يناقش القضية من زاوية مركزة متعلقة باليوتيوب كأحد مواقع التواصل الاجتماعي وهذا أمر جيد على مستوى تركيز الفعالية والمواد والورش والحوارات التي قد تؤطر فيها. ولكنه على المستوى العام فالقضية شائكة فيما يتعلق بصناعة المحتوى العربي عموماً على مستوى الفضاءات الإلكترونية.. ثمة سؤال محوري قد يكون مطروحاً في هذه القضية: ما السبب وراء (ضعف / قلة / سطحية / عدم تأثير) المحتوى العربي عبر الفضاءات الإلكترونية. هل المسألة متعلقة بضعف البنية الفيزيائية والتقانية للفضاءات الإلكترونية عموماً. أم أن المسألة متعلقة بحداثة عهد المجتمعات العربية بالوسائل والمواقع والتقانات في الفضاءات الإفتراضية. أم أن القضية متعلقة بموضوع ثقافة تفاعل المستخدمين العرب مع هذه المواقع.

سأسرد هنا قراءة أقرب ما تكون لقراءة سوسيولوجية للقضية وألخصها في عدة محاور:

1- قضية صناعة المحتوى على الإنترنت عموماً في تقديري مرتبطة أساساً ببنية الثقافة الاجتماعية. وكيف تقدم هذه الثقافة نفسها في الواقع. وكيف تصوغ العقل الاجتماعي. وكيف تسير أنماط التفكير للفاعلين الاجتماعيين. وكيف تحدد هوية التفكير بالنسبة إليهم. إذن هي مرتبطة بالعقل الاجتماعي المنبثق عن الثقافة الاجتماعية في واقعها. وبالتالي فإن فهم بنية صناعة المحتوى على الإنترنت يجب أن ينطلق من فهم بنية الثقافة الاجتماعية في المقام الأول.

2- تخضع الثقافة الاجتماعية في إطارها الواقعي أو في فضاء المحتوى الإلكتروني لتأثير الفاعلين الاجتماعيين في بلورتها ومعالجتها. وهذا الأمر متعلق بدرجة أساسية بقضية (النخب الاجتماعية). مسألة النخب الاجتماعية حد ذاتها نقاش كبير في الشرق والغرب بعد ظهور فضاءات التواصل الاجتماعي حيث الحديث عن سقوط النخبة بمفهومها التقليدي الكلاسيكي للثقافة. وظهور المؤثرين الجدد القادرين على (الإبهار الاجتماعي) بدون الاستناد إلى طبيعة المحتوى المقدم. والإبهار مرتبط أساساً بطريقة تقديم الذات وبالتمكن من وسائل العرض وصناعة المحتوى. وفي مجتمعاتنا العربية هذه النقلة بين الوقوع تحت تأثير النخب الاجتماعية الكلاسيكية وبين النخب الميديائية الجديدة صارت نقلة سريعة نسبياً لدرجة أن المجتمعات لم تستطع وضع معايير واضحة لنخبها والمؤثرين في بناها ومحتوياتها الثقافية. ولذلك لا زال السؤال هنا عائماً من هم المؤثرين الجدد في الفضاءات الإلكترونية وما مصير النخب التقليدية في هذا الإطار؟

3- المسألة الثالثة مرتبطة بآلية تقديم الفرد (الفاعل الاجتماعي الإلكتروني) لذاته ومدى ارتباط ذلك بالتخصصية. ولست أتحدث هنا فقط على التخصصية العلمية. وإنما التخصصية في الاهتمامات والمعالجات. في العالم العربي لدينا نزعة للعمومية. لا يستطيع قطاع عريض من فئات المجتمع كبح أنفسهم عن الحديث بشيء في كل شيء حتى وإن كان غير متخصص فيه. في مقابل أن فئة قليلة جداً تقدم محتوى أو تصنع محتوى منبثق من إطار تخصصها وإطار اهتماماتها وفي الإطار الذي تتمكن منه فعلياً يتناسب والمجتمع. وبالتالي فإن هذا السياق يجعل الأمر مشتت وسطحي في إطار المحتوى العماني والعربي عموماً في الفضاءات الافتراضية.

4- المحتوى المتخصص والاحترافي لا يمكن أن يوجد ذاته أو يمارس حضوره في الفضاءات الواقعية والإلكترونية دون وجود تفاعل حقيقي معه. قد يكون هناك محتوى ثري ومتخصص فعلاً. لكن نسبة المتفاعلين الجادين معه ضئيلة وبالتالي فإن ذلك يؤثر على حضوره وعلى تأثيره وبروزه في الفضاءات الإلكترونية. بما قد يكون هناك محتوى في رؤيتنا (سطحي) ولا يثري الثقافة الاجتماعية ولكن لأن هناك تفاعل واسع معه فإنه يجد مساحته وحضوره في هذه الفضاءات.
النقطة الأخيرة تقودنا إلى سؤال مهم يجب أن يطرح ويتناول وهو ما هي وجهتنا في صناعة المحتوى. هل هي فقط الإثراء والصناعة من ناحية (الكم) أم إضفاء صبغة (وطنية) على المحتوى المقدم. أم أننا نسعى لتقديم محتوى نوعي يثري الثقافة الاجتماعية المحلية أولاً ثم ينطلق للعالمية بأفكار عمانية ليست فقط في وسائل العرض وإنما في العقول الصانعة والقادرة على الفعل الإلكتروني..؟

شاهد أيضاً

” عوداً حميداً لأستاذتنا الكرام “

” عوداً حميداً لأستاذتنا الكرام ” مع انتهاء إجازة العطلة الصيفية لمنتسبي الحقل التربوي ، ...