جماهير صحار

حيث للجمهور معنى

ادبيات

يا أيها المتطوعون ..

   

 
كتبه / مبارك بن خميس الحمداني
في تقدير صدر مؤخراً عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بعنوان (الشباب في سطور) , وهو تقدير يستهدف كشف مؤشرات أساسية عن وضع الشباب الواقع في الفئة العمرية بين (18-29) تحديداً وما يتعلق بأوضاعهم الاجتماعية والصحية والتعليمية والمجتمعية. يكشف التقرير في بند (الشباب والمشاركات المجتمعية) مجموعة من النقاط المحورية فيما يتعلق بمشاركة الشباب في الأعمال التطوعية والخيرية.

 

حيث أن ما نسبته 43% من الشباب في هذه الفئة قاموا بالمشاركة في أعمال تطوعية , وأن 64% من الشباب في الفئة ذاتها قاموا بالتبرع لصالح أعمال خيرية. والمتتبع الحثيث لواقع التطوع في السلطنة يجد أن هذه الظاهرة ترتبط بسمات ومزايا معينة لها خصوصيتها الديموغرافية والبنيوية.

 

فالتطوع في السلطنة شكل من أشكال (التطوع الفتيّ) الذي يرتكز على قاعدة شبابية فتية تمتلك هذه الثقافة, ومن ناحية أخرى فإن هذه القاعدة تتحرك في اتجاهات أفقية وعمودية لتوسيع نطاق هذه الثقافة وزيادة الوعي بها. أما الميزة الأخرى للتطوع في عمان فإنما هي كامنة في تعدد أشكاله ونشاطاته. وتوسعها في قطاعات تتنوع يوماً بعد يوم.

 

إن الميزات السابقة الذكر والتتبع الدقيق لدراسة ظاهرة التطوع في المجتمع وما يرتبط بها يكشف لنا أننا مجتمع لديه (قابلية التطوع) بمعنى أنه يمتلك الأدوات والخيارات والمقومات اللازمة لتوسع وتنوع هذه الثقافة وفق مسارات مختلفة. إلا أن (فعل التطوع) إذا ما لم تدخل عليه متغيرات التجديد وبقي على نفس هيكلة الثقافة التي تديره. يتحول من عمل تطوعي منتج إلى عمل تطوعي بسمة (أداء واجب لا أكثر).

 

ومن هنا فإن ثمة ملاحظات ندركها على واقع ممارسات نشاط التطوع في المجتمع العماني. وهذه الملاحظات المسجلة لا تقلل من قيمة ما يقدم وما يمارس من أعمال تطوعية بالقدر الذي تمكنها من توسيع الفكر الذي تقوم عليه وتجاوز بعض الإشكالات التنظيمية والفكرية التي تتأسس عليها. وأهم نقطة في هذا السياق في تقديري هي مسألة (قياس الأولويات) بمعنى أننا مع هذا التوسع لنشاط الفرق التطوعية فإننا نجد أن بعض الأنشطة التطوعية لا تصب في سياق معنى واضح لنماء المجتمع وإن بوصلة العمل في هذه الفرق (مشوشة) غير واضحة الأهداف في المدى البعيد.

 

إن التطوع الحقيقي في تقديري هو الذي يقف نشاطه على سؤال مهم وهو سؤال (ماذا بعد ؟) وماذا يمكن لهذا العمل أن يقدمه لأفراد المجتمع على المدى البعيد وليس على المستوى الآني والوقتي. من منطلق فكرة (لا تعطني السمكة بل علمني كيفية اصطيادها) وهي ثقافة أصيلة يجب أن يؤسس عليها فكر التطوع في تقديري.

 

إن هناك مجموعة عريضة من الفرق التطوعية التي تشتغل على توفير الاحتياجات الأساسية لبعض الفئات في المجتمع كأسر الفقراء والاحتياجات الخاصة والأيتام والمعسرين وغيرها وهذا عمل مفروغ منه فهو عمل (خيري) واضح الأهداف. ولكنني أقصد هنا الفرق التي تشتغل في قطاعات تطوعية أخرى كقطاعات الثقافة والاهتمام بفئات إبداعية معينة أو التركيز على تنمية ثقافة معينة في المجتمع أو معالجة ظاهرة أو مشكلة ملحة فيه.

 

ملاحظة أخرى نوردها في السياق ذاته وهو الاهتمام المبالغ فيه بتسويق الذات والجوانب الإعلامية وفي تقديري فإن العمل التطوعي ليس بحاجة قصوى لهذه البروباجاندا الإعلامية ذلك أن مكمنه وقيمته الحقيقية إنما تكمن في خاصيتين أساسيتين : وهي (الخاصية الأخلاقية) المتعلقة بإخلاص النوايا والعمل لنماء المجتمع وأفراد. و (الخاصية الإجرائية) والمتعلقة في مردود العمل الذي يقوم به الفريق ومدى خدمته للمجتمع بشرائحه. وعليه فإننا نلاحظ أن بعض الفرق التطوعية تصرف من مقدراتها للترويج والتوسع الإعلامي أكثر مما تصرفه على نشاطها التطبيقي والإجرائي في ظل الأهداف التي ترسمها. كما أن هناك بعض الفرق التي تحترف تقديم أعمالها وسط بهرجة لا داع لها في تقديري في قاعات موسعة فاخرة وببرامج استضافات ضخمة وغيرها من المظاهر التي تتنافى مع القيمة الأخلاقية الحقيقية للعمل التطوعي ونركز هنا على بند (بعض) وليس المقصد من ذلك إدراج التعميم في القضية.

 

ملاحظة أخيرة في السياق ذاته وفيها تساؤل : لماذا لا يصبح التطوع أيضا جزء أصيل من عمل مؤسسات الدولة. بمعنى لماذا لا تقوم مؤسسات الدولة بعمل برامج يمكن من خلالها للفرد أن يتطوع في مقابل أن يكتسب خبرة تخصصية في مجال عمل المؤسسة ذاتها من خلال الخدمة فيها. وهنا أتذكر تحديداً في سنتي الثالثة من الدراسة الجامعية حيث دعيت من إحدى المؤسسات الدولية التي انتسب إليها للمشاركة في برنامج تطوعي – وللأسف لم تكن الظروف تسمح آنذاك بالمشاركة – فحوى هذا البرنامج تقديم فرصة للمشاركين في إعادة استكشاف أحد أجزاء تاريخ أوروبا التي لطالما كانت أبوابها موصدة في وجه الزوار من ’’الغرب‘‘، لاسيما في رومانيا وسط مجموعة متنوعة من البرامج الاستكشافية وفي المقابل يقوم المشارك بالاختيار بين فرص العمل في مستشفى، أو العمل مع صحيفة أو في مدرسة، أو حتى القيام بإجراء بحث أركيولوجي مقابلاً لهذه الفرصة.

 

وحينما ننظر لمثل هذا البرنامج نجد أنه يوازن بين ارتقاء ذات الفرد (روحياً) وفكريا ومعرفيا وثقافيا وبين استفادة المؤسسة والمجتمع الذي تعمل فيه من جراء الخدمة التي يقوم بها. وبالتالي نحن ننتقل من إطار العمل التطوعي إلى (العمل التنموي) محافظين على ذات الخصائص الأساسية لروح التطوع وثقافته ولكن بجدوى ومردود اجتماعي أكثر وأعمق.

 

ختاماً يبقى القول بعدم تعميم الملاحظات أعلاه. وتبقى روح التطوع روح أصيلة متجذرة في ثقافة المجتمع العماني ينبغي استثمارها على الوجه الأمثل وخصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد تفجر طاقات الشباب في مقابل بعض الإشكالات التي تواجه تسيير الدولة وقطاعاتها.

الشباب طاقة متوقدة.. احرصوا على أن لا تنفجر.