جماهير صحار

حيث للجمهور معنى

ادبيات

الجهل الممنهج

111

مبارك الحمداني

في كتابه الموسوم “أثر العلم في المجتمع” يتحدث برتراند راسل في الفصل المتعلق بثبات المجتمع العلمي قائلا: “لقد ظل الجنس البشري على قيد الحياة حتى الآن بفضل جهله وعدم كفاءته, ولكن إذا أعطي المعرفة والكفاءة مقترنين بالحماقة فلن يكون ثمة تأكيد على البقاء في الحياة. المعرفة قوة, ولكنها قوة للشر , كما هي قوة للخير , ويترتب على ذلك, أن الإنسان إذا لم يتقدم في حكمته, كتقدمه في المعرفة, فإن هذا التقدم في المعرفة يؤدي إلى ازدياد في الأحزان…”

حين نتحدث عن نجاح أو فشل نظام تعليمي قائم في أي مجتمع فإننا بالضرورة نستخدم للقياس مداخل كثيرة ومتعددة. كلٌ يسير من مدخله بأدوات الفهم ومبادئ القياس والتقصي. ذلك أن النظام التعليمي كأحد الأنظمة الاجتماعية بحسب الفهم الوظيفي لتركيبة المجتمع يتصل اتصالاً مباشراً ووثيقاً بغيره من النظم وعلى رأسها النظام القيمي والثقافي. وعلى ضوء ذلك فإن قياس الجدوى ومالآت النجاح والفشل ينبغي أن لا تقد من قبيل الإحصاءات الرسمية السنوية أو المؤشرات العالمية لإنني أرى من وجهة نظر شخصية أن الاعتداد بمثل هذه المؤشرات يعطي صورة مجتزئه حول صورة هذا النظام وحقيقته ذلك أن مثل هذه المقاييس تأخذ في الاعتبارات أنماطاً معينة من الاحصاءات والاختبارات التي تطبق على عينات من مخرجات هذا النظام وبالتالي هي تعطي صورة شكلانية لوضع النظام التعليمي وليست صورة دقيقة مفصلة عن وضعه ووضع مخرجاته..

فمؤشر “بيرسون” الشهير والمعتد به عالميا لقياس جودة التعليم على سبيل المثال يعتمد بنك بيانات منحنى التعليم المسمى (LCDB) والذي يضم في مجمله مجموعة من اختبارات المهارات المعرفية التي تجرى على مجموعة معينة من طلاب كل دولة , أو تطبق عليهم أثناء مشاركتهم في مسابقات دولية. وبالتالي فإن يعطي مؤشراً على وفاق عينة بسيطة ومحددة جزئياً من النظام التعليمي وفي تقديري فإنه لا يفي بأن يكون معتداً به لنقاش مجتمعي موسع حول وضع النظام التعليمي ومآلاته في أي مجتمع..

ولكن دعنا ننظر من زاوية مختلفة للمسألة في واقع نظامنا التعليمي في السلطنة, فمن جهة لست مؤيداً للتذمر والنقاشات الموسعة التي تبنى على أحكام عامة حول فشل النظام التعليمي. دون القياس والتبحر والدرس في عمق هذا النظام وانعكاساته على مستويات شتى. ومن زاويتي فإن ما أذهب إليه في هذه المقالة مستنداً على دراسة أجريتها حول “محكات الاختيار الزواجي لدى عينة من الشباب العماني”. ولقد كان الملفت في الخلاصات العامة التي خرجت بها الدراسة أن عنصر (التعليم) كمعيار تفضيلي في اختيارات الزواج أخذ مرتبة متدنية لدى كل من الذكور والإناث الذين شملتهم العينة علماً بأن الدراسة استهدفت بالضرورة مجموعة من الطلبة الدارسين في مؤسسات التعليم العالي في السلطنة. وهذا ما يزيد المؤشر استفهاماً وتساؤلاً. فلدى الذكور حل تفضيل عنصر التعليم في المرتبة الثالثة ضمن ما يفضله الشباب الذكور في شريكة الحياة مستقبلاً. أما الكارثة الأكبر فلدى الإناث اللاتي بينت المؤشرات أنهن يضعن تعليم شريك الحياة في آخر مراتب التفضيلات المدرجة في استمارة الدراسة..

ألا تثير مثل هذه المؤشرات تساؤلاً حول مكانة التعليم وإنعكاسه القيمي والثقافي في بنية العقل الاجتماعي. في تقديري أن الإنعكاس الحقيقي لفاعلية العلم والمعرفة المتلقاة من مؤسسات التعليم المختلفة إنما تتجسد بالضرورة في العمليات الاجتماعية التي ينشط فيها الفرد والتي يعد الزواج أحد أهمها أن لم يكن الأهم فيها. وعليه فإن الاعتداد بالقيم التقليدية الراسخة أساساً في العقل الاجتماعي كتفضيلات القبيلة والمكانة الاجتماعية إنما ينبئ بأن التعليم وعبر حقبه الأربع الماضية لم يستطع أن يحدث تغييراً جذرياً في بنية العقل الاجتماعي العام وإيصال الفرد إلى زاوية الحكمة التي تحدث عنها براتراند راسل أعلاه. وفي هذه الحالة فإن التعزيز المستمر للفيم التقليدية إنما يحدثنا أن ما يحدث في ظل نظامنا التعليمي لا يعد غرساً معرفياً حقيقياً وإنما نوع من التعليم الشكلاني الذي يرسخ لما أحب تسميته “الجهل الممنهج”

إن كل ثقافة بطبيعتها (مغلقة) وإنما يأتي التعليم لفك براغيها ومحاولة حلحلة أصولها وتقديم المثمر فيها وشذب المكبل. فهي بطبيعتها المغلقة تقدم نفسها للمنتمين إليها على أنها القول الفصل والصواب التام والكمال المطلق على مستوى المعايير والأسس والمحكات. فالشاب الذي يعتد بأسس القبيلة كمعيار أساسي في اختيار شريكة الحياة متجاهلاً الجوانب والمعطيات الأخرى التي تفرضها روح العصر ومتطلباته إنما هو متشرب في الأساس لهذا اليقين ومغتبط بهذه الراحة التي تمده بها هذه الثقافة. وعليه فإن نظام التعليم لم يهتم سوى بكسر الجهل المبسط المستند أساساً إلى معارف علمية تقانية. أما بنية الجهل الراسخة في العقل والسلوك والوجدان تبقى صامدة ما دامت هذه المؤشرات تحكي ما يعكسه واقع النظام التعليمي بهذه الطريقة.

لا أُحمل التعليم كل شيء هنا, فأدرك تماماً أن هناك اعتبارات أعقد من أدوار النظام التعليمي وإنما ما أرمي إليه في الحديث السابق هو التساؤل وإعادة التساؤل حول منهجة الجهل والطريق الصائب لتجاوزها وكسرها. كي لا تبقى دُور التعليم مجرد متنزه يقضي فيه الفرد فترة مقدرة من العمر ثم يعود إلى آلة المجتمع الدائرة دورانها التقليدي فلا يغير في هذه الحركة الرتيبة أبسط الأشياء. وإنما يضيف أن العدد الدائر مع هذه الآلة أعداداً أخرى ووجوه أخرى لا تحصى من ركامات الجهل والمعرفة الشكلانية..

تعليق واحد

التعليقات مغلقة