جماهير صحار

حيث للجمهور معنى

ادبيات

اشرب (كرك) والف (إشاعة)

eshaat
كتبه / مبارك بن خميس الحمداني

ماذا يعني أن تروج (5-6) شائعة كاذبة في خلال يومين وتتداول على نطاق مجتمعي واسع وتحتدم حولها ردود الفعل الاجتماعية بأنماط ووسائط مختلفة ؟ , وماذا يعني أن تكون هذه الشائعات كلها متعلقة بسياق واحد وهو (الوضع الاقتصادي للدولة في المستقبل القريب). ؟
لست هنا لأقدم توصيفاً علمياً أكاديميا حول مسألة انتشار وتفشي الشائعات وعوامل ظهورها. فالشائعات أو (علم نفس الشائعات) مجال خصب من المجالات النظرية في سياق علم النفس الاجتماعي وفيه الكثير من الأبحاث والمؤلفات والأطروحات التي تتفق في خيوط معينة وتتباعد في خيوط أخرى بحسب رؤية الباحث وطبيعة المجتمع الذي يدرس فيه الشائعة. ولكنني هنا أحاول تقديم رؤية سببية حول سؤال رئيس (لماذا تتنشر هذه الشائعات / في هذا الوقت تحديداً / وبهذه السرعة ؟)

لا يخفى على أحد اليوم في عمان طبيعة التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة وطبيعة التحديات الإقتصادية القادمة أيضا في الوقت الذي ربطت فيه الدولة (عنق اقتصادها) بربطة (النفط) فأصبح كلما انخفض سعره اشتدت الربطة على العنق, فدفع ذلك الدولة لفتح فمها بحثاً عن إجراءات (آنية) تسكن بها الوضع الراهن. وكلما ارتخت ربطة العنق مارست الدولة أناقتها وبدأت بتوجيه أموالها نحو مشاريع (خدج) غير مكتملة المنفعة ودون أدنى قياس واقعي لماهية الجدوى المراد منها.

وعليه فإنه في ظل هذا الوضع ونحن نتحدث عن وضع اقتصادي حرج قد يمس / أو مس بشكل مباشر طبيعة الحياة المعاشة بالنسبة للأفراد داخل المجتمع فإن هذا الوضع من الطبيعي أن يفرز بيئة اجتماعية قابلة لنشأة الشائعات ورواجها. وذلك أيضا ما يخبرنا عنه علم النفس الاجتماعي إذا ما أردنا التأصيل العلمي للمسألة. فالدكتور صبري محمد خليل في أطروحته حول الشائعات أوجد 10 عوامل رئيسية لانتشار الشائعات ورواجها ومنها سوء الوضع الاجتماعي والاقتصادي ووجود أجواء التوتر النفسي التي تخيم على المجتمع وكذلك الترقب والتوقع وعدم الإستقرار وعدم الثقة.
وإذا ما نظرنا إلى الواقع اليوم فإننا نجد أن هذه العوامل أصبحت موجودة في الوسط الاجتماعي العام بفعل الوضع الاقتصادي العام الذي تعيشه البلد والتداعيات التي تطلق هنا وهناك حول آثار إنخفاض أسعار النفط وما قد يترتب عليه من تبعات على مستوى تخفيض الموازنات وإجراءات التقشف وفرض الضرائب وغيرها من التبعات الأخرى.

ولكن هذه التفاصيل أعلاه في نظري لا تقدم تبريراً منطقياً لأسباب نشأة هذا الكم الهائل من الشائعات وتداولها. فعلى سبيل المثال لنطرح السؤال بشكل آخر لماذا تنتشر هذه الشائعات المغلوطة على سبيل المثال ولا تنتشر بنفس المقدار معلومات اقتصادية وتحليلات كتبت حول الوضع الاقتصادي وآفاقه المستقبلية. بشكل آخر من المستفيد من رواج مثل هذه المعلومات الكاذبة وبثها في المجتمع وانتشارها بهذه السرعة ورواجها.

في تقديري أن القضية ليست قضية شخص يجلس على طاولة مقهى ويشرب (الكرك) الذي يدمن عليه العمانيون هذه الأيام ويؤلف رسالة واتسابية ثم يروجها على أنها قرار رسمي أو بيان صادر من إحدى مؤسسات الدولة. فالمسألة تحتمل أبعاداً متعلقة بمثارات أو دوافع نشأة الإشاعة.

وفي ظل الوضع الحالي فإنني أرى أن عدم وجود إيضاحات وبيانات رسمية من مؤسسات الدولة المعنية فيما يخص الحالة الاقتصادية وعدم خلق حالة تواصل مع المجتمع بالتطورات الاقتصادية الحاصلة ووجود فجوة بين المجتمع والمخططين والمنفذين الاقتصاديين سبب أول رئيس في مسألة نشوء مثل هذه الإشاعات. لأنه لو سدت هذه الفجوات وأوجد مثل هذا التواصل وخلقت حالة التبيانات الواضحة سيغلق الطريق نسبياً أمام ظهور مثل هذه الشائعات. ومن جانب آخر من الأسباب المهمة كذلك ضعف دور الإعلام الاقتصادي في مناقشة الأزمة وأركز هنا على الصحافة الإقتصادية التي يتوجب عليها توجيه خطابها ليس إلى النخب الاقتصادية فحسب وإنما توجيه خطاب يحمل نوعاً من (التبسيط) وأقول التبسيط وليس (التسطيح) إلى المجتمع ليوضح له الملابسات ويقف معه على التحديات عبر تحليلات لخبراء وكتاب اقتصاديين متخصصين. وليس أولئك الذين نراهم يقفزون عبر صفحات الصحف يوماً في صفحة الفن والثقافة وغداً في صفحة المحليات وبعدها في صفحة الاقتصاد وهكذا دواليك.!
إننا يجب أن نعي أن المجتمع بدرجة الوعي التي أصبح عليها وبالوسائل والأدوات التواصلية والتفاعلية التي توافر عليها لا يمكن أن تغيب عنه الحقائق والأزمات والتحديات فسياسة (ما للحكومة للحكومة , وما للشعب للشعب) أصبحت اليوم معطوبة ولا سبيل إلى مواجهة مثل هذه الحالة إلا بفتح حوار موسع يجرى فيه عصف ذهني شامل ويشرك فيه المواطن عبر القنوات الرسمية (مجلس الشورى / مجلس الدولة / الإعلام) ليكون جزءاً رئيسياً في سبيل مواجهة الأزمة وتخطيها.