جماهير صحار

حيث للجمهور معنى

ادبيات

ماذا يقرأ العمانيون ؟!

ماذا يقرأ العمانيون ؟!

مبارك بن خميس الحمداني

تشكل الثقافة بالنسبة لأي مجتمع المدخل الأساسي لفهم طبيعة الوعي الاجتماعي وتركيبته بالإضافة إلى كونها مدخلاً أساسياً من مداخل تفسير طبيعة القيم الحضارية التي يتبناها المجتمع والتي يؤسس على ضوئها سلوكه وأفعاله وتصوراته ونظرته للحياة والمعطيات المعاصرة والتحولات القائمة.

وأقصد الثقافة هنا بمفهومها (الفني / الأدبي) وليس مفهومها العلمي (الأنثربولوجي / الاجتماعي) فهناك خلط بين الثقافة كمفهوم أدبي وفني والذي يشمل في مجمله ممارسة المجتمع للقراءة وأشكال المكتبات الموجودة فيه وطبيعة نشاط المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية وكل ما يقع تحت إطار هذا المفهوم الفني. وليست الثقافة بمفهومها العلمي الذي يدرس ويستخدم في علوم الاجتماع والأنثربولوجيا كتعبير عن منظومة القيم والأفكار والعادات والتقاليد وما ينطوي كلياً تحت إطار هذا المفهوم.

وفي مسح الثقافة في عمان الذي أصدره المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في العام 2012 , والذي تم تطبيق أدواته على عينة من الأسر العمانية ليناقش تجليات الثقافة المختلفة بمفهومها الفني والأدبي من طبيعة القراءة في المجتمع إلى تعامل الأفراد مع وسائل الإعلام المختلفة إلى نشاط المسرح والإصدارات من الكتب وغير ذلك , يذكر التقرير في أحد بنود نتائجة والمتعلقة بالأسر العمانية التي تمتلك مكتبة منزلية أن تكوين المكتبة المنزلية العمانية يحتوي غالباً وبما يقارب 91% من الكتب الدينية , تليها في الترتيب كتب المناهج الدراسية والكتب الأدبية, بينما كان النصيب الأقل في تكوين المكتبة المنزلية العمانية لكتب الفلسفة والعلوم الطبيعية والفنون المختلفة. 

وفي تقديري إن هذا الوضع ينسحب على قطاع عريض من الدول العربية نتيجة لتشابه التكوين الثقافي والفكري للمجتمعات بالإضافة إلى تشابه المؤثرات الداخلية والخارجية التي تؤثر في توجيه وتسيير مفهوم الثقافة بأشكاله المختلفة وتجلياته المتنوعة.

فمسألة أن تكون الكتب الدينية هي المكون الأساسي للمكتبات المنزلية مسألة تكاد تتشابه فيها الأسر العربية بشكل غالب. وليست المشكلة في تقديري أن تكون الكتب الدينية هي المسيطر الأساس على تكوين المكتبة المنزلية وإن كان هذا المؤشر واحد من أهم المؤشرات التي تعطي للمتابع صورة شمولية عن تركيبة البنية الثقافية للمجتمع, وما الذي يقرأه أفراده وبالتالي ما الذي يسيطر على اهتماماتهم ويوجهها ويشغل تكوينهم الثقافي ويوحه سلوكياتهم ونظرتهم الكلية للحياة والمعطيات من حولهم.

ولكن المتابع الدقيق لا يكتفي فقط بأن يتنبأ بالوضع الثقافي في المجتمع من خلال تكوين المكتبة المنزلية للأسر , فإذا كانت الكتب الدينية هي المكون الأساسي لهذه المكتبات فهذا في حد ذاته ليس مشكلة, وإنما المشكلة تكمن في التساؤل ( هل يؤثر هذا الإغراق في الكتب الدينية على وضع المعرفة الدينية في المجتمع ؟ ) بمعنى هل تساهم هذه الكتب في بناء معرفة دينية عميقة وحقيقية لدى الأفراد داخل هذه الأسر أم أنها عادة تنشوية وفرض اجتماعي قائم تزهو به المكتبات المنزلية ويتلقاه الأفراد قسراً دون أن يكون لهم أي مبادرة لتغييره أو تبديل معطياته ؟!

وفي تقديري أننا إذا ما أردنا أن نقيم وضع المعرفة الدينية في أي مجتمع فيكفينا التأمل في طبيعة الأسئلة التي يطرحها الأفراد على رجالات الإفتاء فيه , وأسئلة الفتوى التي تنتشر في المواقع والمنتديات الإلكترونية , بالإضافة إلى طبيعة القضايا الدينية التي تشغل اهتمام الناس وتؤرقهم عوضاً عن الكيفية التي يتعاطى بها المجتمع مع الأفكار الدينية المختلفة , ودرجة التسامح مع الرأي المخالف.

 

والأخيرة في تقديري مهمة جداً لأنني على يقين أن المجتمع العارف (معرفة حقيقية) هو بالضرورة مجتمع (متسامح) لإنه مطمئن بما يرتكز عليه من معارف حقيقية ومن تكوين علمي واضح وفعال , أما المجتمع (الجاهل) أو سطحي المعرفة فهو مجتمع (إقصائي) بالضرورة وهذا الإقصاء يأتي نتيجة الإضطراب اتجاه الرأي المخالف, لأن المجتمع بالضرورة مضطرب أيضا معرفيا نتيجة استناده على معارف وتكوينات علمية هشة لا تشكل له بناء مواجهة مع الرأي المختلف وبالتالي يستعيض بسلاح الإقصاء لسد هذا النقص..

 

كل هذه التفاصيل هي مداخل مهمة في تقديري لاستكشاف عمق المعرفة الدينية بالنسبة لأي مجتمع. وأنا هنا لا أتهم المجتمع في معرفته الدينية وإنما أطرح على القارئ التساؤلات السابقة وهو بدوره متمكن من قياس هذه التجليات مما يشاهده في إطار محيطه العام مما يحوز على اهتمامات الناس في القضايا الدينية المختلفة , وهل يشكل الدين وعياً حقيقياً للحياة أم أن هذه الوعي يتمثله كالفرد الواقع في حفرة لا يشاهد إلا سُكان تلك الحفرة والخط الذي يصلهم بالسماء / الحقيقة . ولا يدرك أن على السطح ملايين البشر المختلفين والذي يعيشون حياتهم القائمة على مبادئ الاختلاف متجانسين ومتعايشين..

 

طرق الوصول إلى (الله / الإيمان) لا تأتي من الكتب الدينية وحدها وإنما يشكل كل تمظهر من مظاهر هذا الوجود بوابة حقيقية للوصول إلى الله في تقديري. فالإله متجلٍ إيما تجلي. فإن كانت الكتب الدينية تؤسس لمعرفتنا بالدين والعبادات وتنظم أسس تعاملاتنا الدينية وعلائقنا المبنية على ضوئها. فإن كتب العلوم الطبيعية وكتب الفلسفة والفنون تشكل لنا الذراع التطبيقي لاستقصاء تجليات الله في هذا الكون إضافة إلى أنها تمدنا بالأسئلة والفضول المعرفي وصولاً إلى حقيقة الله تعالى مصمم هذا الوجود.

 

مهم جداً أن نؤسس لمعارفنا الدينية وأن نلتمس الطرق التي تصلنا إلى الله ولكن مهم أيضاً أن نبحث عما يثير السؤال فينا ويلغي الإجابات الثابتة والمعلبة. فالسؤال والتأمل العميق هو الذي يدفع الإنسان للبحث عن المجهول، وغزو الفضاء، والغوص في أعماق البحار بحثاً عن أشكال الحياة، والسفر إلى أقاصي الأرض، وسبر أغوار النفس البشرية بالتحليل والدرس، وتحليل الجينات الإنسانية وفهم ألغازها، ومحاولة تفكيك رموز الكون، بحثا عن الحقيقة، وليس رغبة في الوصول إليها. ذلك أن البحث في مختلف صنوف المعرفة والتأمل العميق في هذا الوجود يؤدي إلى اتساع أفق الأمل، فيدفع الإنسان إلى الإصرار والتعلق بطوق المعرفة في بحر أسرار الحياة، أملا في الرُسُوِّ على إجابة ما.

 

ختاماً أقول ليست مشكلة أن تكون الكتب الدينية مكون أساسي من مكونات مكتباتنا ولكن هذا يجب أن يترافق مع وجود الكتب الأخرى الفلسفية وكتب العلوم الطبيعية والفنون والجغرافيا وغيرها. مع تفاؤلي بأن المعطيات في مجتمعنا العماني اليوم أصبحت أكثر تنوعاً وفي حالة ديناميك مستمر , فنلاحظ أن فئة عريضة من الشباب بدأت تقرأ وتنوع في سياقات قراءاتها وهذا مؤشر جيد يشكل أساساً مهماً لبناء وعي مجتمعي فعال.

تعليق واحد

التعليقات مغلقة